عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

79

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

موجود وأنه كذا وكذا ، ولكن هذا الوجود له غير حقيقي لقيامه بغير قربه موجود للحق لا له ، فكانت حياة قربه حياة غير تامة . ومنهم من ظهرت له الحياة فيه لا على صورتها ، وهو باقي الحيوانات . ومنهم من بطلت فيه الحياة ، فكان موجودا لغيره لا لنفسه كالنبات والمعدن والحيوان وأمثال ذلك ، فصارت الحياة في جميع الأشياء ، فما ثم شيء من الموجودات إلا وهو حي ، لأن وجوده عين حياته ، وما الفرق إلا أن يكون تاما أو غير تام ، بل ما تمّ إلا من حياته تامة ، لأنه على القدر الذي تستحقه مرتبته ، فلو نقص أو زاد لعدمت تلك المرتبة ، فما في الوجود إلا من هو حيّ بحياة تامة ، ولأن الحياة عين واحدة ، فلا سبيل إلى نقص فيها ولا إلى انقسام لاستحالة تجزىء الجوهر الفرد ، فالحياة جوهر فرد موجود بكماله لنفسه في كل شيء ، فمشيئة الشيء هي حياته ، وهو حياة اللّه التي قامت الأشياء بها ، وذلك هو تسبيحها له من حيث اسمه الحي ، لأن كل شيء في الوجود يسبح الحق من حيث كل اسم ، فتسبيح الموجودات للّه من حيث اسمه الحيّ هو عين وجودها بحياته ، وتسبيحها له من حيث اسمه العليم هو دخولها تحت علمه ، وقولها له : يا عالم هو كونها أعطته العلم من نفسها بأن حكم عليها أنها كذا وكذا . وتسبيحها له من حيث اسمه القدير هو دخولها تحت قدرته ، وتسبيحها له من حيث اسمه المريد هو تخصيصها بإرادته على ما هي عليه ، وتسبيحها من حيث اسمه السميع هو إسماعها له إياه كلامها وهو ما تستحقه حقائقها بطريق الحال لكنه فيما بينها وبين اللّه بطريق المقال ، وتسبيحها له من حيث اسمه البصير هي كونها تحت بصره مما تستحقه حقيقتها ، وتسبيحها له حيث اسمه المتكلم هي كونها موجودة عن كلمته ، وقس على ذلك باقي الأسماء : فإذا علمت ذلك فاعلم أن حياتها محدثة بالنسبة إليها قديمة بالنسبة إلى اللّه ، لأنها حياته ، وحياته صفته وصفته ملحقة به ، ومتى أردت أن تتعقل ذلك فانظر إلى حياتك وتقييدها بك فإنك لا تجد إلا روحا مختصا بك وذلك هو الروح المحدث ، ومتى رفعت النظر عن حياتك من حيث اختصاصها بك وذقت من حيث الشهود أن كل حي في حياته كما أنت فيها وشهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات علمت أنها الحياة الحق اللّه التي قام بها العالم ، وتلك هي الحياة القديمة الإلهية فافهم ما أشرت لك في هذه العبارات بل في جميع كتابي هذا إذ أكثر مسائل هذا الكتاب مما لم أسبق إليه ما خلا المصطلح عليها فإنه لا سبيل إلى التحدث في علم إلا باصطلاح أهله وإلا فأكثر ما وضعته في كتابي هذا لم يضعه